مصر على خطى العلمانية
أتساءل كثيراً ما الذي أوصل مصر لتكون على النظام العلماني وإن كان تارة يحاول أن يخفى نفسه تحت دعوى الحرية أو أي مسمى آخر لكنه لا يلبث إلا أن يظهر وجهه القبيح ما سنحت الفرصة؟
أتساءل أين مصر المسلمة(نظاماً وشعباً وشريعةً) التى فتحها عمرو بن العاص؟
توالى عليها الحكام لكنها احتفظت بهويتها الإسلامية على مدار قرون وقرون حتى وإنا اعتراها الضعف مع غزو عباد الصليب والحملات الصليبية وقبلهم مع حكم الفاطميين الروافض لكنها ظلت بعد ذلك لسنوات مسلمةً قلباً وقالباً حتى مع بطش بعض الحكام والسلاطين والزحف التترى على ديار المسلمين وبعده سقوط آخر خلافة إسلامية في تركيا كان الشرع في كل ذلك هو السائد وحكم الله هو النافذ لا القانون الفرنسي ولا الانجليزي.
كيف تحولت حتى العقول عقول عامة الشعب إلى رفض شرع الله بالحال أو المقال؟
كيف تبدلت المفاهيم فصار المغنى نجماً بعد أن كان يستعر منه؟ وصارت الراقصة فنانة بعد أن كانت وظيفتها سبة؟
كيف تقلد الأمر مجموعة من ناقصي الدين والعقل فصار في يدهم كل شيء المال والنفوذ والسلطة ووسائل الإعلام والصحف فتحكموا بعقول الناس وسيروها وفق ما يريدون؟وصدق القائل:
ومن الغريب أن هذا رائج ..........................تغدو به صحف النفاق وترجع
وله من العشاق ألف قبيلة............................وله من الأبــــواق جيش مفزع
ترى ما سر تلك المفاهيم الغريبة التي بتنا نسمعها ليل نهار المواطنة القومية الليبرالية العلمانية؟
هل تغيرت عقول الناس وأفكارهم و مبادؤهم بين عشية وضحاها وهل كان للدول الغربية يد فيه؟
كيف أصبح الناس ينظرون للدين على أنه الصلاة والصيام وفقط وإياك أن تعتقد انه جاء ليحكم بين الناس ويفصل في شئونهم؟
وإن كانت هناك أسباب وراء هذا التغير فأين كان رجال الدين وقتها؟
تساؤلات كثيرة وأكثر منها تهرب من ذهني ساعة الكتابة لكنك تلمسها جلية على أرض الواقع
سأحاول أن أمسك الخيط من البداية لتتضح الصورة على أكبر قدر أستطيعه ولعلى لا أستطيع التعبير عنها كاملة فلم أوت فصاحة تمكنني من ذلك,لكن سأحاول أن أوصل الفكرة على قدر المستطاع........
نبدأ بالحملة الفرنسية على مصر التي قيل أنها وعت العقول على حضارة جديدة وكانت فاتحة لنهضة علمية كبرى-ولا أدرى أين ثمار تلك النهضة(حتى الآن) فقد حققنا أعلى معدلات البطالة والفقر ويا لها من انجازات-بعدها ربما أدركت دول الغرب أن الغزو العسكري لبلاد المسلمين مكلف جداً ولا يؤتى ثمرته المرجوة ولم يعمدون إليه وبمقدورهم التحكم في البلاد عن بعد بتشكيل عقول الناس؟ وعندها أو قبلها(بعد الحملات الصليبية) نشأت حركة الاستشراق وتوسعت فبدأ القوم يدرسون حضارة المسلمين ومبادئهم حتى إنهم سبقوا المسلمين أنفسهم في فهرسة كتب التراث فهم أول من فهرس لكتب الحديث ليسهل عليهم العثور على الأحاديث التي يريدونها في أي موضوع يريدون التشكيك فيه.
بعد الحملة الفرنسية وانجلائها وحكم محمد على الذي كان أول من تجرأ على استبدال القوانين الأوربية بالشريعة الإسلامية وذكره الجبرتي(المؤرخ) بأنه مسخ عقيدة الولاء و البراء ,والذى كتب عنه محمد عبده فى المنار أن له ثلاثة أعمال وهى محط جدل:
1. تأسيس حكومة مدنية كانت مقدمة للاحتلال الأجنبى.
2. قتال الدولة العثمانية حتى جرأ عليها دول أوربا.
3. محاربة الوعى الدينى للدعوة الوهابية التى ظهرت من جزيرة العرب.
ومضت سياسته فى عصر خلفائه حتى الخديوي إسماعيل وخلال ذلك كله كان التحول يسير بخطى مدروسة,أرسل الخديوي بعثات إلى أوربا كان هدفها دراسة أسباب التقدم فى الغرب مع الحفاظ على الهوية الإسلامية ظاهراً.
ومن أشهرها تلك التي كان بها الشيخ: رفاعة الطهطاوي والذي أرسله مع البعثة ليكون المسئول الديني عنها ويكون حماية لها من التأثر بالانحلال الديني والأخلاقي في فرنسا وعادت تلك البعثات وللأسف مع الدور الذي كان منوطاً أن يقوم به الطهطاوي نجده قد تأثر بتلك المظاهر تأثراً كبيراً ربما دفعه لذلك الانبهار بالتقدم أو الحرية التي كانت غائبة نوعاً ما في مصر.
و فى تلك الفترة ظهرت لأول مرة فكرة تحرير المرأة وكلمات كالمواطنة والقومية والدستور وكلها مستوردة ساعد فى ذلك رغبة الخديوى اسماعيل فى هذا التحول ولا عجب فقد تشرب تلك الحضارة قبل ذلك,أراد من رجال الأزهر ان يصيغوا أحكام الاسلام فى نقاط محددة بلغة يسيرة لتشبه القانون الفرنسي كخطوة أولى, ووقتها كان للأزهر ورجاله مكانته فلم يقبل الشيوخ بذلك فحاول استمالة الطهطاوي وقال:إنه إذا لم يتم الحكم وفق قانون نابليون فإننا سنثير الغرب وطلب منه اقناع الأزاهرة بذلك فرفض وطلب إعفاءه معتذراً بأنه قد كبر به السن ولا يريد لأحد الطعن فى دينه,ومن وقتها غاب الشيخ رفاعة عن الأحداث.
وبدأ جيل من المصفقين للحضارة الغربية وكان منهم عبد الرحمن الكواكبي الذي قال بالحرف:"دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تدير الآخرة فقط فلنجتمع على كلمة سواء فلتحيى الأمة وليحيا الوطن"
وينزف القلب دماً إذا كان أول مؤتمر تنصيري للقس زويمر تم عقده ببيت أحمد عرابي نفسه وما زال في القلب ألف مبكية,حين ينجح جاسوس مثل بلنت في استمالة عرابي حتى أودى به وبالبلاد في الهاوية...
وبعدها صدر كتاب ل مرقص باشا واشتهر بالأهداف الخمسة التى سعى إليها وهى:
1.القضاء على الحجاب
2.إباحة اختلاط المرأة بالأجانب عنها
3.تقييد الطلاق وجعله امام القاضى
4.منع الزواج بأكثر من واحدة
5.إباحة زواج المسلمة من غير المسلم
وأثار ذلك ضجة كبيرة....
وفى تلك الأثناء ظهر الأفغاني وهو ايرانى الأصل له صلة مريبة وقوية بالمحافل الماسونية وهو أول من حاول التقريب مع المذاهب الوضعية قائلاً بأن تفاضل الناس ليس بالتقوى ولكن بالسعي نحو المنفعة حتى لقد قال بأن أول الاشتراكيون كانوا الخلفاء الراشدين!!
وجاء تلميذه محمد عبده ومدرسته العقلية بتحركاتها المريبة و الظاهر أنه أراد أن يقيم بدعوته سداً لمنع تغلغل العلمانية فى المجتمع فكانت دعوته قنطرة عبرت منها العلمانية لقلب الدولة وصدق القائل:
رام نفعاً فضر من غير قصد............................... ومن البر ما يكون عقوقاً
ثم جاءت الحركة الكبيرة لقاسم أمين المسماة بتحرير المرأة:
بدأت الأمور حينما سافر قاسم لفرنسا- وهكذا أغلب من جاء بالفكر العلمانى لابد أن يتلقوا تعليمهم وثقافتهم من الخارج- وهناك تعرف على سلافا وهى فتاة فرنسية شاركته قراءة كتب الشعر والأدبيات الفرنسية حتى كاد الشاب إن ينبهر بالتمدين الذى راءه هناك فلم يفرق بين ما هو صالح وطالح حتى يصرح بأن أكبر الأسباب فى الانحطاط تأخرنا في الفنون الجميلة كالتمثيل والموسيقى والرسم ,وتأثر تأثراً كبيراً بحركة تحرير المرأة فى فرنسا وأمريكا.
وهناك قرأ كتاباً كان منتشراً لداركور يتهم المصريين والإسلام فحاول قاسم الرد بكتابه(المصريون) والدفاع وأن يبرر القوانين الاسلامية,لكنه كان قد أمعن فى التغريب فاختلطت عليه الأمور حتى قال نصاً:"إن الإسلام دين خلقي لا يختلف عن المجوسية أو النصرانية وإن مصر كان امامها طريقان العودة إلى مبادئ الإسلام أو الاقتداء بالغرب وقد اختارت الثانى حتى ليصعب العودة عنه وهى تتحول إلى نمط أوروبي في ثيابها و منشاءتها و وذوقها ومبادئها وأخلاقها وغذائها بنمط مثيرللدهشة,فلعل أوربا تقدر لمصر مسيرتها وترد لها ذلك يوماً بعد الود الكبير الذى تكنه لأوربا "إرضاءً للفرنسيين واستجلاباً لعطفهم وحتى فى كتابه فقد هاجم اختلاط المرأة بالأجانب وبروزها لهم ودعا إلى العودة للحجاب ونبذ السفور.
فوشى به عند الأميرة نازلى لأنها الوحيدة التى كانت تفعل ذلك فكان فى كتابه تعريضاً لها فغضبت واستدعت محمد عبده - وكان صديقاً لها حتى لقبها بتمثال الكمال والجمال وتوسط لها أستاذه عند السلطان فمنحها وساماً - وأثر عليه ومعه سعد زغلول والمويلحي فى الاعتذار للأميرة والتراجع عن رأيه فى عدة مقالات,ثم طباعتها فى كتاب تحرير المرأة ونادي بنفس النقاط الخمسة غير الزواج من غير المسلم,حتى قال:" أن الحجاب ليس عائقاً للتقدم فحسب بل مدعاة للرذيلة وأن الاختلاط يهذب النفس ويميت الشهوة"ومما ميز كتابه كثرة التعريض بالأدلة الفقهية مما أكد ضلوع الشيخ محمد عبده بآرائه في الكتاب وهو ما أكده قاسم نفسه.
ومع الكتاب الثانى له (المرأة الجديدة) اتضحت الأمور أكثر فقال بأنه ما من سبيل إلا أن نربى أبناءنا على الطريق الغربية ومن المستحيل اصلاح أحوالنا إلا بالاعتماد على التمدن الغربي,وطبق ذلك في بيته فأحضر لابنته مربية فرنسية وأخرى انجليزية,العجيب فى الأمر أنه فشل فى التأثير على زوجته التي ظلت محجبة إلى آخر حياتها!!والأعجب أنه بعد سبع سنوات من دعوته وبعد أن زال تأثير محمد عبده واللورد كرومر بموتهما واضمحل نفوذ نازلي أعلن قاسم أن دعوته قد فشلت وأن النفوس لم تهيأ بعد لذلك.
ومن الجدير بالذكر التصدي الحازم والصارم لتلك الحملة من قبل مصطفى كامل في جريدته اللواء فى حين انخرط سعد زغلول فى المؤامرة بل كانت زوجته أول من تسمت على طريقة الغرب ب(صفية زغلول) ثم سارت الأمور حتى وصلت إلى هدى شعراوي التي قامت بمن معها من النساء باستكمال المسيرة فقد اجتمعن وخلعن الحجاب فى ميدان عام(ميدان التحرير حالياً)وأحرقنه تنديداً بالاستعمار البريطانى!!!
وعلى درب الهوان والتبعية للغرب سار أستاذ الجيل(المنهزم) لطفي السيد وتلميذه المبجل طه حسين فنرى الأول ينادى بجعل اللغة العامية هي الأساس والاستقلال عن الخلافة والدعوة إلى الاختلاط ويمضى لتنفيذ الأجندة الغربية على الوجه الذي ارتضوه له والثاني يرى أن القرآن كغيره من الكتب لابد أن يخضع للنقد وهو أمر ليس مستغرب بعد سفره لفرنسا وتعلقه بفتاة فرنسية نصرانية وتمجيده لكازانوفا مؤلف الفلسفة الوضعية,العجيب أيضاً أنه يذكر أن طه حسين تاب فى آخر أيامه وندم على ما كتبه وذهب أمام الكعبة وبكى ولكن أنى للعلمانيين أن يكشفوا تلك الحقائق المؤلمة لهم.
وإلى هنا انتهى فصل جديد تلاه فصول وفصول,ربما أكملها فيما بعد إن قدر الله ذلك........
وأخيراً...رضى العلمانيون أو أبوا فإن العلمانية لم تنشأ إلا من رحم الاستشراق الى لم ينشأ هو إلا من رحم الحملات الصليبية,وكفى ما جنته الأمة منكم طوال قرن من الزمان, لقد ذاقت الأرض ويلات الفساد وأسنت الحياة وتعفن الفكر حين تطاول على الإسلام من يسمون أنفسهم بالتنويريين ,وكانت الطامة الكبرى لما نحى الإسلام عن الحياة وواقع الناس فإن أعجبكم الإسلام واعتنقتموه فخذوه بكلياته وأحكامه فما أنزل إلا ليسوس الناس في كل شئونهم وإلا فاطرحوه وابحثوا ديناً ترضوه ويرضاكم:
يا مدعى حب طه لا تخالفه.............ز.فالخلف يحـــــرم فى دنيا المحبين
أراك تأخذ جزءاً من شريعته.........ـ......وتترك البعض تهــــويناً وتدويرا
خذها سماوية خيراً تفوز به............أو طرحها وخذ رجس الشياطين
وأسأل الله أن يرزقنا الإخلاص قولاً وعملاً وأن يستعملنا لطاعته..
والحمد لله رب العالمين
توضيح بعض النقاط:
أصل العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية (secularism) وهي من العلم فتكون بكسر العين، أو من العالَم فتكون بفتح العين وهي ترجمة غير أمينة ولا دقيقة ولا صحيحة، لأن الترجمة الحقيقية للكلمة الإنجليزية هي (لا دينية أولا غيبية أو الدنيوية أولا مقدس) نشأت العلمانية في الغرب نشأة طبيعية نتيجة لظروف ومعطيات تاريخية حتى وصلت لصورتها التي هي عليها اليوم.. ثم وفدت العلمانية إلى الشرق في ظلال الحرب العسكرية، وعبر فوهات مدافع البوارج البحرية، وظهرت في الشرق وافداً أجنبياً في الرؤى والإيديولوجيات والبرامج
ملامح تميز المنهج العلماني أهمها:
مواجهة التراث الإسلامي، إما برفضه بالكلية واعتباره من مخلفات عصور الظلام والانحطاط والتخلف –كما عند غلاة العلمانية-، أو بإعادة قراءته قراءة عصرية –كما يزعمون- لتوظيفه توظيفاً علمانياً من خلال تأويله على خلاف ما يقتضيه .
تلويث المقدسات وجعل ذلك إطاراً فكرياً للأعمال الأدبية، والدراسات الاجتماعية، مما أوقع الأمة في أسوأ صور التخريب الفكري الثقافي.
استبعاد مقولة الغزو الفكري من ميادين الفكر والثقافة، واستبدالها بمقولة حوار الثقافات، باتباع سياسة التخدير ليسهل تحت ستارها ترويج مبادئها، بعد أن تفقد الأمة مناعتها
وصم الإسلام بالأصولية والتطرف وممارسة الإرهاب الفكري، عبر غوغائية ديماجوجية إعلامية غير شريفة، ولا أخلاقية، لتخويف الناس من الالتزام بالإسلام، والاستماع لدعاته.
تمييع قضية الحل والحرمة في المعاملات والأخلاق، والفكر والسياسة، وإحلال مفهوم اللذة والمنفعة والربح المادي محلها أي فك الارتباط بين الدنيا والآخرة في وجدان وفكر وعقل الإنسان. دق طبول العولمة واعتبارها القدر المحتوم الذي لا مفر منه ولا خلاص إلا وأن أي شيء في حياتنا يجب أن يكون محل التساؤل، دون التفريق بين الثوابت والمتغيرات.
الاستهزاء والسخرية والتشكيك في وجه أي محاولة لأسلمة بعض جوانب الحياة المختلفة المعاصرة.
الترويج للمظاهر الاجتماعية الغربية، وبخاصة في الفن والرياضة وشركات الطيران والأزياء والعطور والحفلات الرسمية، والاتكاء القوي على قضية المرأة.
الترويج الدائم للنظريات الغربية في الاجتماع والأدب، وتقديم أصحابها على أنهم رواد العلم، وعظماء الأدب أمثال: (دارون)و (فرويد), (دوركايم)و أليوت وشتراوس وكانط)